الحفيظ
قال الله تعالى : ( إن ربي على كل شئ حفيظ ) (للحفيظ ) معنيان : أحدهما : أنه قد حفظ على عباده ما عملوه من خير وشر وطاعة ومعصية ، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها ، وق كتب ذلك في اللوح المحفوظ ، ووكل بالعباد ملائكة كراماً كاتبين ويعلمون ما تفعلون ، فهذا المعنى من حفظه يقتضي إحاطة علم الله بأحوال العباد كلها ظاهرها وباطنها وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي في أيدي الملائكة ، وعلمه بمقاديرها ، وكمالها ، ونقصها ، ومقادير جزائها في الثواب والعقاب ثم مجازاته عليها بفضله وعدله . والمعنى الثاني : من معنيي (الحفيظ ) أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون ، وحفظه لخلقه نوعان عام وخاص . فالعام : حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيها ويحفظ بنيتها ، وتمشي إلى هدايته وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة التي قال عنها : ( أعطي كل شئ خلقه ثم هدى ) . أي هدى كل مخلوق إلى ما قدر له وقضى له من ضروراته وحاجاته ، كالهداية للمأكل ، والشرب والمنكح ، والسعي في أسباب ذلك ، وكدفعه عنهم أصناف المكاره والمضار وهذا يشترك في البر والفاجر بل الحيوانات وغيرها ، فهو الذي يحفظ السماوات والأرض أن تزولا ، ويحفظ الخلائق بنعمه ، وقد وكل بالآدمي حفظه من الملائكة الكرام يحفظونه من أمر الله ، أي يدفعون عنه كل ما يضره مما هو بصدد أمر الله ، ، أي يدفعون عنه كل ما يضره مما هو بصدد أن يضره لولا حفظ الله . والنوع الثاني : حفظه الخاص لأوليائه سوى ما تقدم ، يحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من الشبه والفتن والشهوات ، فيعافيهم منها ويخرجهم منها بسلامة وحفظ وعافية ، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس ، فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدهم ، قال الله تعالى : ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) وهذا عام في دفع جميع ما يضرهم في دينهم ودنياهم ، فعلى حسب ما عند العبد من الإيـــمان تكون مدافعة الله عنه بلطفه ، وفي الحديث : ( أحفظ الله يحفظك ) أي أحفظ أوامره بالامتثال ، ونواهيه بالاجتناب ، وحدوده بعدم تعديها ، يحفظك في نفسك ودينك ومالك وولدك ، وفي جميع ما أتاك الله من فضله .
اللطيف
قال الله تعالى ( الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ) وقال تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) . اللطيف من أسمائه الحسنى ، وهو الذي يتلطف بعبده في أموره الداخلية المتعلقة بنفسه ، ويلطف بعبده في الأمور الخارجية عنه ، فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا يشعر . وهذا من آثار علمه وكرمه ورحمته ، فلهذا كان معنى اللطيف نوعين : 1ـ أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا ومكنونات الصدور ومغيبات الأمور ، وما لطف ودق من كل شئ . 2ـ النوع الثاني لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن يتم عليه إحسانه ، ويشمله بكرمه ويرقيه إلى المنازل العالية فييسره لليسرى ويجنبه العسرى ، ويجري عليه اصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه وهي عين صلاحه والطريق إلى سعادته ، كما امتحن الأنبياء بأذى قومهم وبالجهاد في سبيله ، وكما ذكر الله عن يوسف عليه السلام وكيف ترقت به الأحوال ولطف الله به وله بما قدره عليه من تلك الأحوال التي حصل له في عاقبتها حسن العقبى في الدنيا والآخرة ، وكما امتحن أوليائه بما يكرهونه لينيلهم ما يحبون . فكم لله من لطف وكرم لا تدركه الأفهام ، ولا تتصوره الأوهام ، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية ، أو رياسة ، أو سبب في الأسباب المحبوبة ، فيصرفه الله عنها ويصرفها عنه رحمة به لئلا تضره في دينه ، فيظل العبد حزيناً من جهله وعدم معرفته بربه ، ولو علم ما ذخر له في الغيب وأريد إصلاحه فيه لحمد الله وشكره على ذلك ، فإن الله بعباده رؤوف رحيم لطيف بأوليائه ، وفي الدعاء المأثور ( اللهم ما رزقتني مما أحب فأجعله قوة لي فيما تحب ، وما زويت عني مما أحب فأجعله فراغاً لي فيما تحب )
القريب
قال الله تعالى ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ) . ومن أسمائه (القريب) ، وقربه نوعان : 1ـ قرب عام وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء ، وهو اقرب إلى الإنسان من حبل الوريد وهو بمعنى المعية العامة . 2ـ وقرب خاص بالداعين والعابدين المحبين ، وهو قرب يقتضي المحبة ، والنصرة ، والتأييد في الحركات والسكنات ، والإجابة للداعين ، والقبول والإثابة للعابدين ، قال تعالى : ( وإذا سالك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . وإذا فهم القرب بهذا المعنى في العموم والخصوص لم يكن هناك تعارض أصلاً بينه وبين ما هو معلوم من جوده تعالى فوق عرشه فسبحان من هو على في دنوه قريب في علوه .
المجيب
من أسمائه تعالى (المجيب) لدعوة الداعين وسؤال السائلين وعبادة المستجيبين وإجابته نوعان : 1ـ إجابة عامة لكل من دعاء عباده أو دعاء مسألة ، قال تعالى : ( وقال ربكم أدعوني استجب لكم ) فدعاء المسألة أن يقول العبد اللهم أعطني كذا أو اللهم أدفع عني كذا ، فهذا يقع من البر والفاجر ، ويستجيب الله فيه لكل من دعاه بحسب الحال المقتضية وبحسب ما تقتضيه حكمته ، وهذا يستدل به على كرم المولى وشمول إحسانه للبر والفاجر ، ولا يدل بمجرده على حسن حال الداعي الذي أجيبت دعوته إن لم يقترن بذلك ما يدل عليه وعلى صدقه وتعين الحق معه ، كسؤال الأنبياء ودعائهم لقومهم وعلى قومهم فيجيبهم الهل ، فإنه يدل على صدقهم فيما أخبروه به وكرامتهم على ربهم ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو بدعاء يشاهد المسلمون وغيرهم إجابته ، وذلك من دلائل نبوته وآيات صدقه ، وكذلك ما يذكرونه عن كثير من أولياء الله من إجابة الدعوات ، فإنه من أدلة كراماتهم على الله . 2ـ وأما الإجابة الخاصة فلها أسباب عديدة ، منها دعوة المضطر الذي وقع في شدة وكربة عظيمة ، فإن الله يجب دعوته ، قال تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) ، وسبب ذلك شدة الافتقار إلى الله وقوة الانكسار وانقطاع تعلقه بالمخلوقين ، ولسعة رحمة الله التي يشمل بها الخلق بحسب حاجاتهم إليها ، فكيف بمن أضطر إليها ، ومن أسباب الإجابة طول السفر والتوسل إلى الله بأحب الوسائل إليه من أسمائه وصفاته ونعمه ، وكذلك دعوة المريض ، والمظلوم ، والصائم والوالد على ولده أو له ، وفي الأوقات والأحوال الشريفة مثل أدبار الصلوات وأوقات السحر ، وبين الآذان والإقامة ، وعند النداء ، ونزول المطر واشتداد البأس ، ونحو ذلك ( إني ربي قريب مجيب ) .
الودود
قال تعالى ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ) . وقال تعالى : ( وهو الغفور الودود) والود مأخوذ من الود بضم الواو بمعنى خالص المحبة فالودود هو المحب المحبوب بمعنى واد مودود ، فهو الواد لأنبيائه وملائكته وعباده المؤمنين ، وهو المحبوب لهم بل لا لشئ أحب إليهم منه ، ولا تعادل محبة الله من أصفيائه محبة أخرى ، لا في أصلها ، ولا في كيفيتها ، ولا في متعلقاتها ، وهذا هو القرض والواجب أن تكون محبة الله في قلب العبد سابقة لكل محبة ، غالبة لكل محبة ويتعين أن تكون بقية المحاب تبعاً لها . ومحبة الله هي روح الأعمال ، وجميع العبودية الظاهرة والباطنة ناشئة عن محبة الله ، ومحبة العبد لربه فضل من الله وإحسان ، ليست بحلول العبد ولا قوته فهو تعالى الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه ، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه الله بحب آخر ، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة ، إذ منه السبب ومنه المسبب ، ليس المقصود منها المعاوضة ، وإنما ذلك محبة منه تعالى للشاكرين من عباده ولشكرهم ،فالمصلحة كلها عائدة للعبد ، فتبارك الذي جعل وأودع المحبة في قلوب المؤمنين ، ثم لم يزل ينميها ويقويها حتى وصلت في قلوب الأصفياء إلى حالة تضاءل عندها جميع المحاب ، وتسليهم عن الأحباب ، وتهون عليهم المصائب ، وتلذذ لهم مشقة الطاعات ، وتثمر لهم ما يشاءون من أصناف الكرامات التي أعلاها محبة الله والفوز برضاه والإنس بقربه. فمحبة العبد لربه محفوفة بمحبتين من ربه : فمحبة قبلها صار بها محباً لربه ، ومحبة بعدها شكراً من الله على محبة صار بها من أصفيائه المخلصين . وأعظم سبب بكتسب به العبد محبة ربه التي هي أعظم المطالب ، الإكثار من ذكره والثناء عليه ، وكثرة الإنابة إليه ، وقوة التوكل عليه ، والتقرب إليه بالفرائض والنوافل ، وتحقيق الإخلاص له في الأقوال والأفعال ، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً كما قال تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله ) .
الشاكر الشكور
قال الله تعالى ( من تطوع خيراً فإن الله شاكراً عليم ) وقال تعالى : ( إن تقرضوا الله غرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم ) ( وكان الله شاكراً عليما) . من أسمائه تعالى ( الشاكر الشكور ) الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ، وقد أخبر في كتابه وسنة نبيه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، وذلك من شكره لعباده ، فبعينه ما يتحمل المتحملون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد ، ومن ترك شيئاً لأجله عوضه خيراً منه ، وهو الذي وفق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته ، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وكل هذا ليس حقاً واجباً عليه ، وإنما هو الذي أوجبه على نفسه جوداً منه وكرماً . وليس فوقه سبحانه من يوجب عليه شيئاً قال تعالى ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) فلا يجب عليه سبحانه إثابة المطيع ، ولا عقاب العاصي بل الثواب محض فضله وإحسانه ، والعقاب محض عدله وحكمته ، ولكنه سبحانه الذي أوجب على نفسه ما يشاء فيصير واجباً عليه بمقتضى وعده الذي لا يخلف كما قال تعالى ( كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم سوءاً بجاهلة ثم تاب من بعده واصلح فإنه غفور رحيم ) وكما قال سبحانه ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) . ومذهب أهل السنة أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فما أصاب العباد من النعم ودفع النغم فإنه من الله تعالى فضلاً منه وكرماً وإن نعمهم فبفضله وإحسانه وإن عذبهم فبعدله وحكمته وهو المحمود على جميع ذلك .
السيد الصمد
قال تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (السيد الله تبارك وتعالى ) والسيد يطلق على الرب ، والمالك ، والشريف ، والفاضل ، والكريم ، والحليم ، والرئيس ، والزوج ، ومتحمل أذى قومه والله عز وجل هو السيد الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم فالسؤدد كله حقيقة الله والخلق كلهم عبيده . وهذا لا ينافى السيادة الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية فسيادة الخالق تبارك وتعالى ليست كسيادة المخلوق الضعيف . (الصمد) المعنى الجامع الذي يدخل فيه كل ما فسر به هذا الاسم الكريم ، فهو الصمد الذي تصمد إليه أي تقصده جميع المخلوقات بالذل والافتقار ، ويفزع إليه العالم بأسره ، وهو الذي قد كمل في علمه ، وحكمته ، وحلمه ، وقدرته ، وعظمته ، ورحمته ، وسائر أوصافه ، فالصمد هو كامل الصفات ، وهو الذي تقصده المخلوقات في كل الحاجات . فهو السيد الذي قد كمل في سؤدده ، والعليم الذي قد كمل في علمه ، والحليم الذي قد كمل في حلمه ، والغني قد كمل في غناه ، والجبار الذي قد كمل في جبروته ، والشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شئ سبحان الله الواحد القهار
القاهر القهار
قال الله تعالى ( قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار ) وقال تعالى ( يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) .وقال عز وجل ( القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ) . وهو الذي قهر جميع الكائنات ، وذلت له جميع المخلوقات ، ودانت لقدرته ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلي ، فلا يحدث حادث ولا يسكن ساكن إلا بإذنه ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون ، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ، ولا ضراً ، ولا خيراً ولا شراً . وقهره مستلزم لحياته وعزته وقدرته فلا يتم قهره للخليقة إلا بتمام حياته وقوة عزته واقتداره . إذ لولا الأوصاف الثلاثة لا يتم له قهر ولا سلطان
الجبار
قال الله تعالى ( هو الله الذي لا إله هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ) للجبار من أسمائه الحسنى ثلاث معاني كلها داخلة بأسمه الجبار 1- فهو الذي يجبر الضعيف وكل قلب منكسر لأجله فيجبر الكسير ويغني الفقير وييسر على المعسر كل عسير ويجبر المصاب بتوفيقه بالثبات والصبر ويعوضه على مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجبها ويجبر جبراً خاصاً قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله . وقلوب المحبين بما يفيض عليها من أنواع كراماته وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية فقلوب المنكسرين لأجله جبرها دان قريب وإذا دعى الداعي قال اللهم أجبرني فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه . 2- المعنى الثاني أنه القهار لكل شئ الذي دان له كل شئ وخضع له كل شئ. 3ـ والمعنى الثالث أنه العلي على كل شئ وصار الجبار متضمناً لمعنى الرؤوف القهار العلي . 4ـ وقد يراد به معنى رابع وهو المتكبر عن كل سوء ونقص وعن مماثله مماثلة أحد وأن يكون له كفؤ أو ضد أو سمي أو شريط في خصائصه وحقوقه .
الحسيب
قال الله تعالى ( وكفى بالله حسيباً ) وقال سبحانه ( الا له الحكم وهو اسرع الحاسبين ) والحسيب: 1ـ هو الكافي للعباد جميع ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم من حصول المنافع ودفع المضار . 2ـ والحسيب بالمعنى الأخص هو الكافي لعبده المتقي المتوكل عليه كفاية خاصة يصلح بها دينه وديناه . 3ـ والحسيب أيضاً هو الذي يحفظ أعمال عباده من خير وشر ويحاسبهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر . قال تعالى ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) . أي كافيك وكافي أتباعك وكفاية الله لعبده بحسب ما قام به من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً وقيامه بعبودية الله تعالى .
الهادي
قال الله تعالى ( وكفى بربك هادياً ونصيراً ) وقال تعالى ( وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ) . الهادي أي الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار ويعلمهم ما لا يعلمون ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد ويلهمهم التقوى ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره والهداية هي دلالة بلطف وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه : الأول : الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية التي أعم منها كل شئ بقدر فيه حسب احتماله كما قال تعالى ( ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) . الثاني : الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك وهو المقصود بقوله تعالى ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ). الثالث : التوفيق الذي يختص به من اهتدى وهو المعني بقوله تعالى : ( والذين أهتدوا زادهم هدى ) وقوله تعالى : ( ومن يؤمــــن بالله يهدي قلبه ) وقوله : ( إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) وقوله : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . الرابع : الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله ( سيهديهم ويصلح بالهم ) وقوله ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) وهذه الهدايات الأربع مترتبة فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل الثانية بل لا يصح تكليفه ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله ثم ينعكس فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثانية ولا يحصل الثالث والإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات وإلى الثانية أشار بقوله : ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) وقوله : ( يهدون بأمرنا ) وقوله : ( ولك قوم هاد ) أي داع وإلى سائر الهدايات أشار بقوله : ( إنك لا تهدي من أحببت ) . فهو الذي قوله رشد وفعله كله رشد وهو مرشد الحيران الضال فيهديه إلى الصراط المستقيم بياناً وتعليماً وتوفيقاً فأقواله القدريه التي يوجد بها الأشياء ويدبر بها الأمور كلها حق لإشتمالها على الحكمة والحسن والإتقان وأقواله الشرعية الدينية هي أقواله التي تكلم بها في كتبه وعلى ألسنة رسله المشتملة على الصدق التام في الأخبار والعدل الكامل في الأمر والنهي ، فإنه لا أصدق من الله قيلا ولا أحسن منه حديثاً . ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ) . في الأمر والنهي وهي أعظم وأجل ما يرشد بها العباد بل لا حصول على الرشاد بغيرها فمن ابتغى الهدى من غيرها أضله الله ومن لم يسترشد بها فليس برشيد . فيحصل بها الرشد العملي وهو بيان الحقائق والأصول والفروع والمصالح والمضار الدينية والدنيوية ويحصل بها الرشد العملي فإنها تذكي النفوس وتطهر القلوب وتدعو إلى أصلح الأعمال وأحسن الأخلاق وتحث على كل جميل وترهب عن كل ذميم رذيل ومن استرشد بها فهو المهتدي ومن لم يسترشد بها فهو ضال . ولم يجعل لأحد عليه حجة بعد بعثته للرسل وإنزاله للكتب المشتملة على الهدى المطلق فكم هدى بفضله ضالاً وارشد حائراً وخصوصاً من تعلق به وطلب منه الهدى من صميم قلبه وعلم أنه المنفرد بالهداية وكل هداية ذكر الله عز وجله أنه منع الظالمين الكافرين فهي الهداية الثالثة وهي هداية التوفيق والإلهام الذي يختص به المهتدون والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة كقوله عز وجل ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) وقوله : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا عن الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) وكل هداية نفاها الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن البشر فهي ما عدا المختص من الدعاء وتعريف الطريق وذلك كإعطاء العقل والتوفيق وإدخال الجنة كقوله تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) . فاسال الله أن يهدينا لما يحبه ويرضاه فهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الحكم
قال الله تعالى : ( فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) . وقال تعالى ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا لا مبدل لكلماته ) وقال تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله هو الحكم وإليه الحكم ) . وقال تعالى : ( أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ) . والله سبحانه هو الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه فلا يظلم مثقال ذرة ولا يحمل أحد وزر أحد ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه ويؤدي الحقوق إلى أهلها فلا يدعو صاحب حق إلا وصل إليه حقه وهو العدل في تدبيره وتقديره ، وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله وأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة ليس فيها شائبة جور أصلاً فهي كلها بين الفضل والرحمة وبين العدل والحكمة كما قدمنا وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من انواع الهلاك والخزي في الدنيا وما أعده لهم من العذاب المهين بالآخرة ، فإنما فعل بهم ما يستحقونه فإنه لا يأخذ إلا بذنب ولا يعذب إلا بعد إقامة الحجة وأقواله كلها عدل فهو لا يأمرهم إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهاهم إلا عن ما مضرته خالصة أو راجحة وكذلك حكمه بين عباده يوم فضل القضاء ووزنه لأعمالهم عدل لا جور فيه كما قـــــــــال تعالى : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) وهو سبحانه الحكم بالعدل في وصفه وفي فعله وفي قوله وفي حكمه بالقسط وهذا معنى قوله : ( إن ربي على صراط مستقيم) فإن أقواله صدق وأفعاله دائرة بين العدل والفضل ، فهي كل أفعال رشيدة وحكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه أحكام عادلة لا ظلم فيها بوجه من الوجوه وكذلك أحكام الجزاء والثواب والعقاب .